محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

779

تفسير التابعين

ثم إن اللّه تعالى سهله على الناس فجوز لهم أن يقرءوه على لغاتهم ، على أن لا يخرج ذلك عن لغات العرب ؛ لكونه بلسان عربي مبين . فأما من أراد قراءته من غير العرب فالاختيار له أن يقرأه بلسان قريش ، لأنه الأولى ، وعلى هذا يحمل ما كتب به عمر إلى ابن مسعود ؛ لأن جميع اللغات بالنسبة إلى غير العربي مستوية في التعبير ، فلا بد إذا من واحدة ، فلتكن بلغة النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وإذا حققنا النظر وجدنا أن المخالفة للرسم العثماني أكثر ما جاءت عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، فأما أبي فلربما قرأ ما نسخت تلاوته ، ولم يبلغه النسخ ، وأما ابن مسعود فإنه بقي على الحرف الذي أخذه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يأخذ بالرسم العثماني ، فلم يوافق على حرق مصحفه بل أخفاه ، وأمرهم بأن يغلوا مصاحفهم ، أي : يخفونها ، ويكتمونها فلا تخرج فتعدم « 2 » . وهذا يحتمل أن يكون ابن مسعود - رضي اللّه عنه - رأى خلاف ما رأى عثمان ومن وافقه في الاقتصار على قراءة واحدة ، وإلغاء ما عدا ذلك . ويحتمل أنه لا ينكر الاقتصار على قراءة واحدة ، فإن فيه الاجتماع ، وفي عدمه الخلاف ، وأراد أن يكون الاقتصار على قراءته هو فيعوّل عليها دون غيرها ؛ لما له من المزية في ذلك مما ليس لغيره . فقد جاء عنه أنه قال : غلوا مصاحفكم ، كيف تأمرونني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت ، وقد قرأت من فيّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثله « 3 » . وقد شق عليه أيضا أنه لم يكتب المصحف فقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل ، واللّه لقد أسلمت ، وإنه لفي صلب رجل كافر ؟ يعني زيد بن ثابت « 4 » .

--> ( 1 ) ينظر في ذلك فتح الباري ( 9 / 27 ) . ( 2 ) الفتح ( 9 / 49 ) . ( 3 ) الفتح ( 9 / 49 ) . ( 4 ) رواه الترمذي كتاب التفسير ، في تفسير سورة التوبة ( 5 / 266 ) 3104 .